عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

90

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

فصل [ كلام الموتى وردّ السلام ] وقد ذكرنا فيما تقدم من كلام الموتى وردّ السلام عليهم ، ولا ينافي هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ولا يستطيعون أن يجيبوا » لأن المراد نفي الإجابة المعهودة التي يسمعها الأحياء ، وقد ثبت تكلم الموتى . كما في « صحيح البخاري » عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها : يا ويلها أين تذهبون بها ، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ؛ ولو سمع الإنسان لصعق » « 1 » . وقد تقدّم في حديث أنس وغيره : « أنّ الميت إذا ضرب في قبره بمطراقين من حديد يصيح صيحة ، يسمعها من يليه غير الثقلين » . وقد ورد في حديث مرفوع لا يصح : أن من مات من غير وصية ، لا يتكلم يوم القيامة « 2 » . ومن رواية أبي محمد الكوفي ، عن ابن المنكدر ، عن جابر مرفوعا : « من مات من غير وصية لا يؤذن له في الكلام إلى يوم القيامة » . قالوا : يا رسول اللّه ! ويتكلمون قبل يوم القيامة ؟ قال : « نعم ويزور بعضهم بعضا » . قال أبو أحمد الحاكم : هذا حديث منكر ، وأبو محمد هذا ؛ رجل مجهول . وروى ابن أبي الدنيا ، حدّثنا محمد بن الحسين ، حدّثنا سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري ، عن رجل من أهل البصرة ، ممن كان يحفر القبور ، قال : حفرت قبرا ذات يوم ، ووضعت رأسي قريبا منه ، فأتاني امرأتان في منامي ، قالت إحداهما : يا عبد اللّه نشدتك اللّه إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم تجاورنا بها . قال : فاستيقظت فزعا ، فإذا بجنازة امرأة قد جيء بها ، فقلت : القبر وراءكم ، فصرفتهم إلى غير القبر ، فلما كان الليل إذا أنا بالمرأتين ، تقول لي إحداهما : جزاك اللّه عنّي خيرا ، فلقد صرفت عنا شرا طويلا . قلت : فما بال صاحبتك لا تكلمني كما كلمتني أنت ؟ قالت : إن هذه ماتت من غير وصية ، وحقّ لمن مات عن غير وصيّة أنه لا يتكلم إلى يوم القيامة « 3 » .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر « مجمع الزوائد » ( 4 / 209 ) . ( 3 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في « القبور » ( 137 ) وانظر كلام محققه عليه .